حول العالم

يوم البحر في جزر"أولاند"



"إننا شعب واقعي.ولهذا تستمر الحياة كما ترى وبالرغم من هذه الأجواء التي خلتها الطبيعة,يمكن أن تقول أنها تشبه الحلم ,ولكن عندما تملك الحلم نفسه ,فإنك واقعي جدا"

كان يقف على صخرة جرداء يغسلها البحر ليل نهار وهو يتحدث,أنه أحد سكان جزر "أولاند" "تقع في البلاد السكندنافية",مديد القامة,وعيناه تتوجهان إلى هناك,تراقبان تلك هذه المجموعة من أهل اولاند يحملون المشاعل ,بثيابهم المزركشة ,ويتوجهون نحو البحر.

وعبر أمتار قليلة تناثرت جزر عديدة,تزيد على مئتى ألاف جزيرة ,يحتفل سكانها كل عام"بيوم البحر" يرقصون ويغنون ثم لا تلبث أن تصل مجموعة أخرى إلى المكان نفسه,ترتدي أقنعة غريبة الشكل تشبه رؤوس حيوانات غريبة .ومن بين هذه المجموعة تبرز فتاة,يحملها خمسة اشخاص,يقودهم شاب مقنع يحمل رمحاً مزخرفاً بأصداف البحر,تلقي الفتاه في البحر ويسود صمت عميق,وتظهر الفتاة بعد برهة من تحت أقدام صخرة تشبه كهفاً,فيتعالى الصياح والصراخ ويبدأ الرقص من جديد حول الفتاة,التي ترقص على صخرة تحدق في البحر.



إن الإحتفال على هذه الصورة.رمز إلى عادات أهل أولاند في التاريخ السحيق,عندما كانوا يقدمون شخصاً إلى البحر في كل عام ,هذا المجهول الغامض الذي ليس له أحد

كان البحر أحد رموز الجزيرة التي كان أهلها يعيشون على صيد حيواناته. وعن طريق الصيد عرفوا مغامرات هي جزء من مغامرات أجدادهم الفايكنغ,الذين أرعبوا بريطانيا وسواحل الشمال.وكانت سفن الصيد تصل إلى حدود البحر ذلك المجهول ,الذي كثيرا ما كان يغضب حتى يبتلع عدداً منهم وعند الغضب ,كان عليهم ان يقدموا له الأشخاص ليهدأ ويرضى.فهو المستبد الطاغي ويمتد سلطانه إلى حيث اللانهاية.

وليس من قبيل الصدفة إذن أن يبقى هذا الرمز حياً في مثل هذه الإحتفالات السنوية,التي تنتهي عادة بزرع عمود مزخرف على شاطيء الجزيرة في ميناء مدينة"ماريهام"وهي تعبر مقر حكومة اولاند الرسمي.

لسكان هذه المدينة عادات وتقاليد  غريبة,فعلى منها تقع المقبرة التي تعتبر أطرف المقابر في العالم ففي كل قبر  ينام قبطان يحمل أمجاده الخاصة.
أقدم كنيسة في الجزيرة
قد لا تجد قبراً واحداً يحمل غير لقب "قبطان" إذاً ليس من اللياقة على الأقل أن يموت واحد من الأهالي ولا يكون شيئاً ما.

عرفت جزر أولاند عربياً هو "الادريسي" المؤرخ الجغرافي الشهير,الذي زارها في اوائل القرن الثاني عشر وقد شاهد الإدريسي أحدى هذه الإحتفالات الغربية مصادفة,فكتب عنها من دون ان يفهم مغزاها.

أساطيرهم الخالدة

للجو الرائع,والطبيعة الساحرة تأثير بالغ على العادات أهل اولاند وتقاليدهم,هذه التقاليد أوحت للسكان بأساطير,واخذت كل جزيرة منها أسطورة إستحالت من الزمن إلى رمز.

ولقلعة"ماريهام" قصة تتروي:
 
مريهام حفيدة قيصر روسيا إلكسندر,جاءت إلى اولاند,يوم كانت فنلندا دوقية روسية.
وقد أحضرت الأميرة الحسناء معها بجعة سوداء كانت لا تفارقها أبداً.

وبينما كانت الأميرة على الشاطيء,جاء بحار شاب من إحدى جزر أولاند,وطلب منها أن ترافقه على سفينته لترى جمال العالم,وعشقت الأميرة البحار,ودفعها حب المغامرة إلى مغامراته,فاختفت ولم يعد احد يسمع عن مصيرها.

وبقيت البجعة ترود شواطيء الجزر بحثاً عن الاميرة وترقض رقصات الإبتهال  الغريبة ,ويقول أهل اولاند أن رقصة البجع التي تؤديها الفتيات أولاند على الشاطيء ,إنما هي  رمز لوفاء هذه البجعة التي كانت تحاول من رقصاتها ان تعانق روح الأميرة في العدم.

وقلعة ماريهام التي عاشت فيها الأميرة قصة أحلامها تنتظر فارس البحر لكي يحملها إلى المجهول قد إختفت كذلك ولم يبق منها سوى مجموعة من الحجارة ومدفع ضخم,وذلك بعد أن دمرتها البوارج البريطانية في حربها مع روسيا.

وأمام هذه القلعة  التي تعانق في صمتها أصوات البحر ونداء الجزر التي تمتد حولها.رست سفينة الإدريسي ذات يوم في القرن الثاني عشر.

حماسة الشعب الاولاندي إلى ثقافته السويدية ولغته وتاريخه,تدفعه إلى دعوة كل غريب لكي يقص عليه أحلامه ومطامحه.,وفي كل جزيرة دعوة للغريب لكي يقضي ليلة على الشاطيء يحلم  فيها بالمستحيل..

وإذا كان أهل اولاند قد إحتفظوا بأساطير أجدادهم واستخلصوا منا رمز لفرح الحياة,فقد ظلت هذه الجزر عبر التاريخ ,مصدراً لأساطير غريبة ,وقد نقل الإدريسي عنها بعضاً من هذه الأساطير.

وإذا كان ما شاهده الادرسي حقيقة في ذلك الوقت فإنه الآن أسطورة يتناقلها الأحفاد عن آبائهن وأجدادهن,ويقف الزائر على الشاطيء يتطلع البحر الذي يضيء طوال أشهر الصيف ,إذ  تكاد الشمس تفارقه سوى ساعتين في خلال الاربع والعشرين ساعة ,أما في الشتاء فهو الظلام الدامس حيث لا تشرق شمس لا في النهار ولا في الليل
ومع ذلك تضحك جزر اولاند متباهية بجمالها,ويتضاحك أهلها فعلى أرضهم السلام,وفي حياتهم الفرح,وفي أساطيرهم حكايات لتاريخ مضى.


المصدر:
كتاب غرائب وعادات الشعوب

0 comments :

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.